
كتب : يوسف عصام
جورج سوروس هو أحد أكثر الشخصيات المالية والسياسية تأثيراً وإثارة للجدل في العصر الحديث؛ يراه أنصاره رجل إحسان استثنائياً سخّر ثروته لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يصنفه خصومه مهندس أزمات مالية ومحركاً خفياً للاضطرابات الجيوسياسية حول العالم.
البدايات وتشكيل الفكر: من الهولوكوست إلى لندن
ولد سوروس في بودابست عام 1930 لعائلة يهودية غير متدينة، وعاش مراهقته متخفياً تحت هويات مزورة للنجاة من الاحتلال النازي للمجر، ثم فر من الحكم الشيوعي إلى لندن عام 1947.
عمل حمالاً في محطة قطارات ونادلاً لتمويل دراسته في كلية لندن للاقتصاد (LSE). وهناك تتلمذ على يد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر، وتأثر بكتابه الشهير «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، وهو المفهوم الذي بني عليه سوروس لاحقاً إمبراطوريته الخيرية والسياسية بأكملها.
قناص الأسواق: “الرجل الذي كسر بنك إنجلترا”
انتقل سوروس إلى وول ستريت عام 1956، وأسس في 1970 صندوق كوانتم (Quantum Fund)، محققاً عوائد سنوية قاربت 30% على مدار ثلاثة عقود. اعتمد على نظريته الخاصة المسماة الانعكاسية (Reflexivity)، والتي تفترض أن تحيزات المستثمرين النفسية تؤثر في الواقع الاقتصادي للأسواق وتخلق فقاعات يمكن استغلالها.
الأربعاء الأسود (16 سبتمبر 1992): راهن سوروس بمليارات الدولارات ضد الجنيه الإسترليني، مقتنعاً بعدم قدرة بريطانيا على الحفاظ على سعر صرف عملتها ضمن آلية الصرف الأوروبية. أجبرت خطوته الحكومة البريطانية على سحب الجنيه وخفض قيمته، وحقق سوروس ربحاً تجاوز مليار دولار في يوم واحد، مكرساً لقبه الشهير عالمياً.
أزمة النمور الآسيوية (1997): وجه له رئيس وزراء ماليزيا آنذاك، مهاتير محمد، اتهامات مباشرة بالمضاربة على عملات جنوب شرق آسيا وإسقاط الرينغيت الماليزي، وهي تهم نفاها سوروس مراراً معتبراً الأمر نتيجة اختلالات هيكلية في تلك الاقتصادات.
مؤسسات المجتمع المفتوح: الذراع الخيري أم السياسي؟
أنشأ سوروس مؤسسات المجتمع المفتوح (Open Society Foundations)، وضخ فيها أكثر من 32 مليار دولار من ثروته الشخصية، لتصبح ثاني أكبر مؤسسة خيرية خاصة في الولايات المتحدة بعد مؤسسة غيتس.

هدف نظريات المؤامرة
تحول سوروس إلى محور مفضل لنظريات المؤامرة في الخطاب اليميني العالمي، من روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، إلى المجر بقيادة فيكتور أوربان (الذي قاد حملة رسمية ضده وأغلق جامعة أوروبا الوسطى التي أسسها)، وصولاً إلى الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة. تتركز تلك الروايات حول قيادته “حكومة عالمية خفية” تعيد هندسة التركيبة الديموغرافية والسياسية للدول الغربية.
في عام 2023، سلّم سوروس إدارة إمبراطوريته المالية والخيرية لنجله ألكسندر سوروس، ليواصل المسار ذاته معلناً تركيزاً أكبر على السياسة الداخلية الأمريكية وحماية الديمقراطية.
يبقى جورج سوروس رمزاً لتقاطع المال عالي المخاطر مع النفوذ الجيوسياسي؛ شخصية أعادت تعريف العمل الخيري من مجرد إغاثة إنسانية إلى مشروع هندسة سياسية واجتماعية عابرة للحدود.









Leave a Reply