متابعات الجريدة:

كتب احمد عزب
تتسارع التطورات العسكرية والسياسية في شبه الجزيرة العربية لتضع المملكة العربية السعودية في قلب معضلة استراتيجية غير مسبوقة؛ مشهد ميداني محتدم وهجمات متتالية تطال العمق والمنشآت الحيوية، بينما تقف القوى الإقليمية والدولية موقف المتفرج أو المستفيد، تاركةً الرياض في مواجهة مباشرة ومكلفة مع تداعيات أزمة لم تكن يوماً صانعتها الوحيدة.
حصاد الحسابات الخاطئة: الجميع يربح والرياض تستنزف
تكشف خريطة التحالفات الحالية عن عزلة جيوسياسية معقدة وقعت فيها القيادة السعودية:
الموقف الإيراني: تبدو طهران المستفيد الأبرز من هذا الاستنزاف، حيث ترى في تقويض البنية التحتية وضرب المرافق الحيوية لغريمها التقليدي إضعافاً لمركز ثقله السياسي والاقتصادي دون الدخول في مواجهة شاملة مباشرة.
الغطاء الأمريكي والابتزاز السياسي: لم تفلح مليارات الدولارات وعقود التسليح الضخمة مع واشنطن في توفير مظلة ردع حقيقية؛ إذ تتغير الأولويات الأمريكية وفق مصالح الإدارات المتعاقبة، مكتفية بجني العوائد المالية والصفقات دون التزام بحماية استقرار المنطقة عند المنعطفات الحرجة.
إعادة رسم خرائط الطاقة والنفوذ: تتناغم الفوضى الراهنة مع طموحات تل أبيب ومشاريعها الرامية لإعادة هندسة مسارات تصدير الطاقة وطرق التجارة الإقليمية، بهدف جعل موانئها وخطوطها بديلاً حتمياً ومحورياً على حساب الممرات التقليدية في الخليج.
تصدع التنسيق الإقليمي: تراجعت التحالفات الإقليمية إلى أدنى مستوياتها؛ فالحليف الإماراتي انخرط في مسارات متباينة عقب تباعد الرؤى في الملف اليمني، بينما آثرت قوى أخرى كتركيا وباكستان التراجع والنأي بالنفس بعد استنفاد المصالح الاقتصادية الآنية.
الجبهة الجنوبية والضغط الميداني: أدى استمرار الصراع مع جماعة الحوثي في اليمن، والمدعومة من طهران، إلى فرض معادلة ردع خطيرة تُهدد الملاحة الجوية والبحرية، وتضع مصافي النفط، والمطارات، والمقار الاستراتيجية في الرياض وغيرها تحت التهديد المستمر.
المأزق القيادي: وهم الحماية وهاجس الاستقرار الداخلي
إن الأنباء والتقارير المتداولة حول الإجراءات الأمنية المشددة والانتقال بين المقرات المحصنة، إلى جانب التردد في إدارة الجبهات العسكرية والاعتماد على قوى خارجية غير موثوقة للدفاع عن الحدود، تعكس هشاشة في منظومة الردع الذاتي.
يظل السؤال الجوهري المطروح: لماذا تصر الرياض على تحمل الأكلاف السياسية والاقتصادية بمفردها؟
يبدو أن هاجس الحفاظ على مركزية السلطة، والخوف من التراجع التكتيكي، يدفعان باتجاه الاستمرار في مسار استنزافي يهدد الاستقرار على المدى الطويل، في حين أن الإصرار على المضي في السياسات ذاتها قد يُفضي إلى النتيجة التي تخشاها القيادة تماماً: تآكل النفوذ وفقدان زمام المبادرة.
ضرورة المراجعة الاستراتيجية
لم يعد خافياً أن الاعتماد على مظلات أمنية غربية متقلبة، والانسياق وراء مشاريع إقليمية تخدم أطرافاً أخرى، بات يشكل خطراً وجودياً على أمن المملكة واقتصادها. المخرج الحقيقي من هذا النفق المظلم لا يتأتى عبر شراء الوقت أو استجداء الدعم الخارجي، بل عبر إعلان قطيعة واضحة مع الحسابات المفروضة عليها:
فك الارتباط بالمخططات التي تستنزف موارد البلاد وتجعلها ساحة حرب بالوكالة.
مراجعة التحالفات القائمة وتحديد المصالح الوطنية بوضوح دون مواربة.
فتح مسارات تفاوضية واقعية مع القوى الإقليمية لإنهاء النزاعات الحدودية وصياغة أمن ذاتي مستقل.
إن الاعتراف بخلل التوازن القائم اليوم، وامتلاك الجرأة على وقف الانخراط في معارك الآخرين، هو السبيل الوحيد لحماية الأمن القومي وإنقاذ ما تبقى من استقرار قبل أن تُغلق كل أبواب التراجع.
تابعوا آخر التحديثات على الجريدة.












Leave a Reply