القاهرة لا تنتظر التاريخ.. القاهرة تصنعه من جديد

بقلم: شحاته زكريا

​في كل منعطف دولي حاد تتهاوى فيه القواعد القديمة، تبرز نوعية نادرة من الدول لا تجلس لتنتظر ما ستسفر عنه الرياح، بل تقف في قلب العاصفة لتفرض اتجاهها.

​العالم اليوم لا يعيش مجرد توتر عابر أو أزمة سياسية مؤقتة، بل يمر بلحظة سيولة استراتيجية تشبه تلك التي أعقبت الحربين العالميتين؛ لحظة تعيد فيها القوى رسم الخرائط، وتتبدل فيها مراكز الثقل، وتدفع الدول الضعيفة فواتير صراعات الكبار. وفي هذا التوقيت الخطر بالتحديد، تقف القاهرة لتؤكد حقيقة لا تقبل المساومة: مصر لا تحتمي بالتاريخ لترث أمجادها، بل تستدعي كامل ثقلها لتصوغ واقعاً يحمي مستقبلها.

الخروج من دور “رجل الإطفاء” إلى المبادرة

​استسهل كثيرون لعقود اختزال الدور المصري في دور “رجل الإطفاء الإقليمي”؛ دولة يطلب منها الجميع التدخل لتهدئة النيران حين تخرج الأمور عن السيطرة، أو تُستدعى لتأمين التوازنات إذا اضطربت خطوط الملاحة وتضاربت مصالح العواصم الكبرى.

​غير أن التحول الجوهري اليوم يكمن في كسر هذه القوالب الجاهزة؛ فالخروج من دور رد الفعل إلى دور الفعل والمبادرة هو الفارق بين دولة تُدار شؤونها من الخارج، ودولة تدرك أن حماية أمنها القومي تبدأ من فرض حضورها قبل أن يقترب الخطر من حدودها.

طوق النيران وحسابات القوة الهادئة

​إذا نظرت إلى المشهد الإقليمي بعين مجردة من الشعارات، ستجد طوق نيران يحيط بالبلاد من الشرق والغرب والجنوب، وخطوطاً ملاحية حيوية مهددة في البحر الأحمر، وضغوطاً اقتصادية وسياسية متتالية لا تتوقف.

​في مواجهة هذا المشهد المعقد، لا تملك القاهرة رفاهية التردد أو الانفعال العاطفي. فالقوة الحقيقية التي تبني الهيبة ليست استعراضاً عسكرياً ولا خطابات حماسية تلهب الحشود لساعات، بل هي:

  • الصلابة الهادئة التي تمنع الخصوم من الخطأ في الحسابات.

  • الصبر الاستراتيجي الذي يُفوّت على المتربصين فرصة جر البلاد إلى مستنقعات الاستنزاف المفتوحة.

استقلال القرار الوطني.. ثمنه وركائزه

​يقوم التموضع المصري الجديد على ركيزة لا غنى عنها: استقلال القرار الوطني ثمنه غال ولا يمكن حمايته بالأمنيات. تتجسد هذه الركيزة عملياً عبر مسارات متوازية:

  • جيش وطني حديث: يمتلك أعلى درجات الجاهزية وتنويع مصادر التسليح.

  • شراكات اقتصادية ذكية: لا تخضع للابتزاز السياسي من أي قطب.

  • السيطرة على مفاصل التأثير: وضع اليد على مفاتيح الطاقة والربط الإقليمي وممرات التجارة الدولية.

​بذلك، تنزع القاهرة من أيدي القوى الكبرى أوراق الضغط والوصاية؛ فالقرار هنا يُصنع وفق معيار واحد فقط: المصلحة العليا للأمن القومي المصري، دون مواربة ودون ارتهان لإملاءات صندوق أو عاصمة.

الجبهة الداخلية: الدرع الأقوى

​ومع ذلك، فإن أعظم دروع السياسة الخارجية وأكثرها مناعة ليست حاملات الطائرات ولا التحالفات الدولية، بل هي الجبهة الداخلية المتماسكة.

​لا يمكن لدولة أن تتحدث بقوة في الخارج ويكون صوتها مسموعاً بين الكبار إذا كانت خطوطها الخلفية هشة أو تعاني التفكك. القوة المصرية التي تفرض شروطها على الطاولة الدولية تستمد وقودها من قدرة المواطن على الصمود، ومن إيمانه الراسخ بأن كلفة الكرامة واستقلال الإرادة الوطنية — مهما كانت ثقيلة ومؤلمة اقتصادياً — تظل أهون بآلاف المرات من مصير دول ضاعت سيادتها، وتفتتت جيوشها، وتحولت شعوبها إلى لاجئين على أبواب العالم.

معادلة الحاضر والمستقبل

​نحن لا نعيش في عالم يرحم الضعفاء أو يقيم وزناً للنيات الحسنة، بل هو عالم القوة المنضبطة؛ عالم الدول التي تفهم وزنها، وتملك أدواتها، ولا تطلب الإذن من أحد لتأمين حدودها ومواردها.

​القاهرة اليوم لا تتحرك لمجرد حجز مقعد على مائدة المفاوضات، بل تؤكد لكل من يهمه الأمر في الإقليم والعالم أن أي ترتيبات للمنطقة لا تمر عبر العاصمة المصرية هي ترتيبات محكوم عليها بالفشل، وأن الجغرافيا حين تقترن بوعي التاريخ وإرادة القوة تصبح حائط صد صلباً تنكسر عليه كل محاولات التطويع والإخضاع.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *